كان قد مضى ثلاثون (30) يوما منذ أن وطئت قدماى هذه الأرض التى يحزننى أنها تقع فى بلادى بل و على بعد مئات الأمتار فقط من منزلى ، ثلاثون (30) يوما قضيتها مع نماذج بشرية لم أكن أتخيل يوما أنى قد أعيش معهم للحظات فما بالك بأيام و أسابيع ، و على غرابتها و اختلافها عن الذوق العام الذى ترعرعت فيه و تربيت عليه إلا أنى قد استلهمت منها الكثير من العبر و العظات التى ربما لا يتسع المقام هنا لذكرها كلها و لكنها بالفعل غيرت كثيرا من نظرتى للأشياء من حولى ، و لعل أبرز ما تركته فى نفسى هو شعور عميق جازم بأن هذا الشعب مطحون تحت رحى ظلم أسود كئيب كنت أعلم وجوده و لكنى لم أكن قد لامسته بنفسى من قبل ، فلم أسمع قصة لواحد من نزلاء هذا السجن داخل جدران زنزانتى إلا و رأيت فيها موطئا لقدم الظلم تدهس تحتها نفوس مسكينة تكسرها و تفتتها فلا يبقى بداخلها دافعا للخير أو بصيص نور للهدى يرشدها لمعان الصبر أو الاحتساب و سرعان ما تؤثر الركون إلى طريق أصبح فى بلادى سهل المنال لمن أراد طريق الضياع و الانحراف ، ليسوا كلهم مظلومين و لكن المتأمل فى حيواتهم سيدرك سريعا أن للظلم و للقهر باعا عظيما فى مآلهم ، فذاك كان طريقه الجوع و العوز و هذا غياب الأمل فى الفرصة المستحقة أمام الواسطة و ذلك خلاف شخصى مع من لا يجب عليك أن تختلف معه أبدا و أما هذا الشاب الصغير الذى تشع عينيه ذكاءا لم يفلح المجتمع فى احتوائه فى طفولته فأحتوته الجريمة فى شبابه ، أناس هم آثار جريمة فى شباب أمة ضاعوا أمام الفساد الذى ضرب قواعدها و أصبح اللغة المنطوقة فى ربوعها.
ثلاثون (30) يوما كانوا قد مضوا على كثلاثين (30) عاما ثم قضى الله على بظلم الظالمين أن يمتدوا ل خمسة و أربعين (45) يوما بعد أن تم عرضى على النيابة للمرة الثالثة و أتت الأوامر لوكيل النيابة بمد فترة الحبس الاحتياطى لخمسة عشر (15) يوما آخرين بلا جريمة سوى أنى قد ولدت فى ظل قانون الظلم أو كما يسمونه قانون الطوارئ . عدت إلى زنزانتى بالتشريفة المعتادة من الحرس و الضباط فى السيارة الزرقاء الشهيرة و أنا حسير على حال العدالة و القضاء فى بلادى و أثناء دخولى لمحت ورقة معلقة على باب الزنزانة من الخارج تحمل أسماء نزلاءها و تهمة كل واحد منهم و بينما كانت عينى تمر على كلمات كالقتل و السرقة و التزوير إذا بها ترى بجوار أسمى تهمة أقشعر لها بدنى غبطة و أنزلت على نفسى سكينة نمت على أثرها فور قرارى فى موضعى داخل الزنزانة قرير العين هادئ البال فتهمتى كانت "إخوان" و يالها من تهمة ! .
و ياله من شرف ! أن يمن الله على بالإنتساب لدعوة كانت و مازالت تدفع أغلى الأثمان و تقدم أشرف التضحيات لمعان سامية عظيمة لم أعد أرى فى مجتمعى من يدافع عنها إلا قليلا ممن رحم ربى ، من صار يدافع اليوم عن الحرية؟ أو يبذل من أجل العدالة؟ أو يعتقل من أجل المساواة؟ من يناضل من أجل إنهاء الطوارئ؟ من يمد يده لمختلف التيارات الوطنية المطالبة بالإصلاح و يساهم بدفع النصيب الأكبر من فواتير مطالبها؟ و من يحاصر فى الشوارع بالأمن المركزى لأنه خرج يطلب فك الحصار عن غزة؟ من يأتيه زوار الفجر ليأخذوه لأجل غير مسمى و يرهبوا أهله و أحبابه؟ من يدفع هذه الأثمان كلها و أكثر و حاله لا يزيد عن قول الله تعالى "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" و هم فى هذا كله لا يمتنون على الناس بما قدموا بل يتمنون من الله عز و جل أن يتقبل منهم و يرضى عنهم و يقبل هذه الأثمان أعذارا لهم عن تقصير أصاب الدانى و القاصى من أبناء هذه الأمة تجاه كل استحقاقاتها و لسان حالهم يلهج بقوله عز و جل "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ".
مازال الطريق طويلا و جل ما أخشاه على نفسى و على أحبابى و أخوانى هو طول الأمد و تتابع الأيام و الليالى تحمل صورة الباطل منتفشة زاهية بإنتصار زائف و لكننا نوقن أن الحق غالب غالب و أنه دامغ الباطل لا محالة و يبقى الرجاء فى الله أن يثبتنا على طريق الحق غير مبدلين ولا مغيرين و أن يتقبل منا و أن يهدينا و يهدى بنا و أن يصلحنا و يصلح بنا و أن يجعلنا على النحو الذى يرضيه عنا و أن يصطفى منا الشهداء وهو و الله اصطفاء لا يدركه الا من صدق..اللهم أجعلنا من أهل الصدق معك يا كريم.
0 comments:
Post a Comment